لم تكن مشاركة الكاتبة الإماراتية الشابة إيمان اليوسف عابرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ 48، حيث نظمت قاعة سلامة موسى ’بمبنى الندوات والفعاليات الرسمية‘، ندوة ثقافية بعنوان ’الرواية الإماراتية بين الماضي والحاضر‘، لتتولى المذيعة والإعلامية دينا قنديل مناقشة الكاتبة وإدارة الندوة التي حضرها مدير معرض الشارقة، وعدد من الكتاب والمثقفين المصريين، وسط تغطية إعلامية واسعة.

الكاتبة التي جذبت الحضور بعربيتها الفصحى الممتازة وأدائها الواثق، تحدثت عن خبرتها في ممارسة الكتابة، وعن إنتاجها الأدبي روائياً وقصصياً، كما رصدت بعين فاحصة المشهد السردي الإماراتي، حماستها لافتة وإشاراتها المتكررة لأسماء من جيلها في الكتابة الروائية والقصصية الإماراتية كانت محل اهتمام الحضور.

تحدثت اليوسف عن بدايات مشوارها في الكتابة؛ وروايتها الأولى ’النافذة التي أبصرت‘، ثم روايتها الثانية ’حارس الشمس‘ التي حازت عنها الجائزة الأولى في النسخة الثالثة لمسابقة الإمارات للرواية 2016، مناصفة مع رواية الكاتب سعيد البادي ’مدن ونساء‘. أكدت اليوسف أن انتسابها لبرنامج دبي الدولي للكتابة، ثم تواصلها مع محترف نجوى بركات للرواية، كان لهما أكبر الأثر في تثبيت خطواتها في كتابة الرواية واجتيازها مسافة كبيرة في مشوارها الأدبي.

وأشارت اليوسف إلى صدور مجموعتين قصصيتين لهاهما ’وجوه إنسان‘، و’طائر في حوض الأسماك‘، إضافة إلى كتاب حوارات ثقافية بعنوان ’خبز وحبر‘، موضحة أنها تكتب مقالا أسبوعيا بجريدة ’الرؤية‘ منذ أربع سنوات، وهي تعتبرها مساحة ممتازة للكتابة غير الإبداعية الخالصة، وأنها أشبه بـ’فسحة‘ أو ’نافذة‘ تطل من خلالها على عديد من المواقف والقضايا الإنسانية والأدبية، وممارسة كتابية مختلفة ولها مذاق خاص.

ورداً على سؤال عن المشهد الروائي الإماراتي الراهن، تحدثت اليوسف بحماس منقطع النظير، قائلة إن هناك حراكاً ونشاطاً كبيراً في التجربة السردية الإماراتية، ’ثمة تجارب خاصة، ورؤى جديدة وأسماء فرضت حضورها محليا وعربيا بإنتاج سردي متميز؛ مثل سلطان العميمي، صالحة عبيد، حمد الحمادي.. وآخرين‘؛ مؤكدة أنها فخورة بنتاجات وإبداعات الروائيين والكتاب الإماراتيين خاصة تلك التي تتسم بمساحة رحبة من التجريب والتنوع في استخدام التقنيات الحديثة والنزوع إلى الفانتازيا والخروج عن الأشكال التقليدية في القص.

ولفتت اليوسف إلى أن سلطان العميمي أول إماراتي يتواجد في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية ’بوكر 2017‘ بروايته ’غرفة واحدة لا تكفي‘، مشيرة إلى أن من أهم ما يسم الكتابة الإماراتية المعاصرة النزوع إلى التجريب والفانتازيا والاعتماد على مستحدثات العصر ومستجدات التكنولوجيا وتضمينها في نسيج النص الروائي.

 واستشهدت اليوسف بكتاب ’آي باد‘ للكاتبة الإماراتية صالحة عبيد لتوضيح فكرتها فقالت:

’آي باد.. الحياة على طريقة زوربا‘ هو الكتاب الثالث لصالحة عبيد، وهو عبارة عن تأملات في القاهرة، أو مجموعة من المشاهدات في أحوال مصر في 2012، و’زوربا‘ هذا عبارة عن شخصية راقص باليه مصري كان يؤدي دور زوربا في أحد العروض على مسارح دار الأوبرا المصرية. أبرز ما في هذه التجربة الكتابية هو شكل الكتابة وليس محتواها، والبحث عن تقنيات وطرائق للحكي والسرد تجافي الشكل التقليدي وتقترب من مناطق التجريب والحداثة‘.

وميزت اليوسف بين قراءتها للمشهد الروائي في الإمارات بين البدايات واللحظة الراهنة، بالقول ’المشهد الروائي الإماراتي اليوم، في أوج فتراته الذهبية، على مستوى ظهور أسماء روائية شابّة مميزة، وبروز مكانة وأهمية دور النشر المحلية، وتراكم تنويعات من النصوص الإبداعية بما يمثل ظاهرة إيجابية‘. وأضافت ’وعلى الرغم من وجود إشكالية ما زالت عالقة في هذا المشهد، وتتمثل في غياب النقد الأدبي الموضوعي، وطرق تسويق المبدعين وإبداعاتهم في الخارج، إلا أن الرواية الإماراتية تعيش تحولات بنيوية مهمة، تمس ليس فقط طبيعة المواضيع والقضايا التي تطرحها، إنها تحوّلات تحدث في الأساس في شكل حكي المواضيع‘.

ومن العام إلى الخاص، سألت دينا قنديل إيمان اليوسف عن روايتها حارس الشمس التي حازت عنها الجائزة الأولى في النسخة الثالثة لمسابقة الإمارات للرواية 2016، قالت اليوسف إنها تدور في مدينة الموصل العراقية، وأن الرواية ناقشت قضية الآثار والحضارة، وضياعها بسبب الإرهاب والتطرف، وذلك من خلال تتبع سيرة وأحلام خادم مسجد النبي يونس التاريخي، والذي تم تفجيره على يد تنظيم ’داعش‘ وما اتصل بذلك من ارتكابه الجرائم الوحشية في حق البشر والآثار والحضارة معاً.

في ’حارس الشمس‘، تقول اليوسف، وظفت الكثير من الميثولوجيا المحلية والعادات الشعبية في إثراء تفاصيل السرد، واعتمدت في ذلك على حشد من الحقائق التاريخية عن الموصل وجوامعها ومئذنة الحدباء وجسورها عبر شخصية مليكة ’الجزائرية- الفرنسية‘، الباحثة في هندسة القباب والمنارات الإسلامية وترافق زوجها ’الفرنسي - العراقي‘ يحيى في رحلة العودة إلى الموصل لبيع أرضه، الشعرة الأخيرة التي تربطه ووالديه بالوطن، حيث تلاشى كل أمل بعودة المهاجرين. إنها ’أي الرواية‘ تلاحق كل أشكال المعاناة العراقية وتحاول تضمينها بالسرد، زمن الديكتاتور والحروب والغزو الأمريكي والاقتتال الطائفي والتهجير..

وعن الرقابة الذاتية والربط بين شخصية الكاتب ونصه، أجابت إيمان اليوسف على سؤال لدينا قنديل حول الربط بين شخصية الكاتب ونصه، قالت اليوسف إنه أمر مزعج أن يتم الربط المباشر بين الاثنين؛ ’هذه المطابقة غير صحيحة وفكرة خاطئة شائعة في ثقافتنا المعاصرة‘. ترحب إيمان اليوسف بالنقد الإيجابي وتتجاهل النقد السلبي ’أهتم بكل نقد إيجابي لأنه محفز على التطوير والتجديد، أما النقد السلبي فلا أعيره اهتماما ولا أهتم به‘، مجيبة عن سؤال حول كيفية تعاملها مع النقد.

                                               

اليوسف التي تعشق السينما، وتقرأ الأفلام بشغف مثلما تقرأ النصوص، كشفت لجمهور الحضور عن انشغالها بكتابة سيناريو فيلم قصير بعنوان ’الغافة‘ ، وشرحت للحضور أنها شجرة إماراتية قصيرة ’ظلّها شاهد على أفراح الإماراتيين وعاداتهم الأصيلة، وتحتل مكانا كبيرا في الموروث الحكائي الشعبي في الإماراتي‘، تستعيد اليوسف في هذا الفيلم الكثير من الحكايات في الميثولوجيا الإماراتية في إطار فني جمالي.