قال المتنبي: ’’ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم ‘‘.. قد تجلب الحكمة، والفصاحة، وحسن الأدب، وسعة العلم، وغزارة الفهم ’’في بعض الأحيان‘‘ نقمة على صاحبها، لاسيما حين تبدو لحاسد غضوب ذو سلطة ونفوذ، ولعل النيران المسجورة لـ ’’ابن المقفع‘‘ تروي صنوفاً من الوحشية المستورة في جلباب التاريخ، والتي نشهد نظائرها، بأكثر من ساحة عربية ملتهبة في يومنا هذا.

وُلِد عبد الله بن المقفع عام ’106 هـ ‘ الموافق لـ ’ 724 م ‘ في قرية بفارس اسمها جور، فيما ينسب مؤرخون أخرون مولده للبصرة، كان اسمه ’روزبه بن داذویه‘، وكنيته ’أبا عمرو‘، وكان مجوسي المعتقد على مذهب المانوية وكان له نشاط في نشر تعاليمها وترجمتها إلى العربية فلما أسلم على يد عيسى بن علي تسمى بعبد الله وتكنى بأبي محمد.

أما سبب تسميته بابن المقفع فيعود إلى اللقب الذي اكتسبه والده حين نكّل بِه الحجاج بن يوسف الثقفي، بعد اتهِامه بسرقة مال المسلمين، فضربه على أصابع يديه حتى تشنجتا وتقفعتا ’أي تورمتا وإعوجت أصابعهما ثم شُلِتا‘، وقيل كذلك أنه لقب بالمقفع لأنه يعمل في القفاع ويبيعها، ولكن الرأي الأول هو الشائع والمعروف وعلى أساسه عرف روزبه بابن المقفع.

درس الفارسية وتعلّم العربية في كتب الأدباء واشترك في سوق المربد. نقل من البهلوية إلى العربية كليلة ودمنة. وله في الكتب المنقولة الأدب الصغير والأدب الكبير فيه كلام عن السلطان وعلاقته بالرعية وعلاقة الرعية به والأدب الصغير حول تهذيب النفس وترويضها على الأعمال الصالحة ومن أعماله أيضاً مقدمة كليلة ودمنة.

عُرِف عبد الله بن المقفع بذكائه وكرمه وأخلاقه الحميدة، وكان له سعة وعمق في العلم والمعرفة جعلته أحد كبار مثقفي عصره، وكان ملماً بلسان العرب فصاحةً وبيناً، وكاتباً ذو أسلوب، وذلك لنشأته في ولاء آل الأهتم، ووصف بمنزلة الخليل بن أحمد بين العرب في الذكاء والعلم، واشتهر بالكرم والإيثار، والحفاظ على الصديق والوفاء للصحب، والتشدد في الخلق وصيانة النفس.

تحمل كتاباته وأقواله الكثير من معاني الصدق والأدب وحب للأصدقاء حتى قال:’ ابذل لصديقك دمك ومالك‘ وذات مرة سُئل ابن المقفّع عن الأدب والأخلاق فقيل له: ’من أدّبك‘؟ فقال: ’إذا رأيت من غيري حسناً آتيه، وإن رأيت قبيحا أبَيْته‘.

وقال: إذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمة أو نزول بلية، فاعلم أنك قد ابتليتَ معه: إما بالمؤاساة فتشاركه في البلية، وإما بالخذلان فتحتملُ العارَ فالتمس المخرجَ عند أشباه ذلك، وآثر مروءتك على ما سواها. فإن نزلت الجائحةُ التي تأبى نفسك مشاركةَ أخيك فيها فأجمل، فلعلّ الإجمال يسعك، لقلة الإجمال في الناس. وإذا أصاب أخاك فضلٌ فإنه ليس في دنوك منه، وابتغائك مودته، وتواضعك له مذلةٌ. فاغتنم ذلك، واعمل به.

كما أنه كان حافظاً للجميل ويقول في ذلك : ’’ إذا أسديت جميلاً إلى إنسان فحذار أن تذكره وإذا أسدى إنسان إليك جميلاً فحذار أن تنساه ‘‘.

جمع بين الثقافة العربية والفارسية واليونانية والهندية، فنال من كل هذه الثقافات نصيباً وافراً من الفصاحة والبلاغة والأدب، وأظهر عيوب النُّظُم الإدارية في عصره مفضّلاً عليها النظم الإدارية الفارسية، وإذا تصفّحتَ مؤلفاً من مؤلفاته، تنهال عليك الحكمة من بين الأسطر، وتنعم بالأسلوب السلس، والذوق الرفيع.

رغم أنه كان وسيم الملامح، فقد عرف ابن المقفع بكرهه للنساء وخوفه من مكائدهن، حتى أنه وصفهن بالطعام الذي لا يأكله الإنسان إلا إذا جاع والطعام سريع الفساد!

فقال مثلاً: ولا بأس أن تأتي لا تدري أيهما أصوبُ فانظر أيهُما أقربُ إلى هواك فخالفه، فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى. وليجتمع في قلبك الافتقارُ إلى الناس والاستغناء عنهم، وليكن افتقارك إليهم في لين كلمتك لهم، وحسن بشرك بهم. وليكن استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك، وبقاء عزك.

اتهمه حساده بالزندقة بفساد دينه، رغم أننا لا نجد في كتاباته دليلاً واحداً على صدق هذا الاتهام، وربما كان هذا الاتهام واحداً من أسباب مقتله، إذ قتله سفيان بن معاوية بن يزيد بن الملهب بن أبي صفرة بإيعاز من الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وكانت مبررات قتله على انه زنديق من الفئة التي تتظاهر بالإسلام مراءاة وخداعاً.

واقع الأمر أن الزندقة لم تكن السبب الحقيقي لمقتله وإنما كانت للتغطية، فقد اشتهر عبد الله بن المقفع بخِلافه الشديد مع سُفيان بن مُعاوية والي البصرة في زمن المنصور, وكان إبن المُقفع يعبث معه ويضحك عليه ويستخف به كثيراً، فقيل مثلاً أن أنف سُفيان كان كبيراً فكان يقول له عبد الله بن المقفع إذا دخل عليه: السلام عليكُما، يعني سفيان وأنفه معه؛ وقال له في أحد الأيام وهو يسخر منه أمام الناس: ’’ما تقول يا سُفيان في شخص مات وخلف زوجاً وزوجةً ??‘‘.

 

وقال سفيان يوماً:

 

    ’’ما ندمتُ على سكوتٍ قط‘‘.

 

فقال له ابن المقفع:

 

    ’’الخرس زينٌ لِأمثالك فكيف تندم عليه!‘‘.

 

وورد عن سفيان بن معاوية أنه قال في إحدى المرات:

 

    ’’والله لأقطعنه إرباً إرباً وعينه تنظر‘‘.

 

غضب سُفيان من إبن المُقفع يوماً وافترى عليه أمراً ما وعندما سمِع عبد الله بن المقفع إفتراء سُفيان عليه قذف أُمّه وسبها وقال له:

 

    ’’يا إبْن المُغتلِمة, والله مَا اكتفت أمك برجال العراق حَتَّى نكحها رجال أَهْل الشام‘‘.

 

قَصد عبد الله بن المقفع بِالمغتلمة أي المرأة الفاجرة التي لا تكتفي من الرجال وأُم سفيان التي قذفها إبن المقفع هي ميسون بنت المُغيرة بن المهلب بن أبي صفرة.

 

عِندما قال عبد الله بن المقفع مقولته هذه زادت ضغينة سُفيان وحقد عليه وضمر له الكراهية لِذا عزم على قتله والإنتقام منه فآمره بالقدوم إليه واستدعاه فقال له:

 

    ’’أتذكر مَا كنت تقول عن أُمي ؟‘‘

 

ورد عليه عبد الله بن المقفع نادِماً مُتَوّسِلاً:

 

    ’’أنشدك وأسألك بالله أيُها الأمير‘‘

 

فرد عليه سفيان بن معاوية مُهدداً إياه:

’’أمي مغتلِمة كما قُلت سترى إن لم أقتلك قتلةً لم يُقتل بها أحداً قبلاً ولّن يُقتل بها أحداً بَعداً‘‘.

بعد ذلك ربطه وآمر بإحضار فرن تنور فَسجَّره وأقوده حتى أصبح حامياً مُتوّقداً عندئذٍ آمر سفيان رجاله بِتقطيع أعضاء وأطراف عبد الله بن المقفع عضواً عضواً وكُلما قطعوا عضواً من جسم إبن المقفع يقول لهم سفيان بن معاوية:

’’ألقوه وارموه في النار‘‘.

 

فجعل رجال سفيان يقطعون أعضاؤه ثم يرمونها في الفرن حتى تحترق بينما يرى وينظر لها عبد الله بن المقفع حتى هلك ومات من شدة التعذيب.

وقال له سُفيان عِندما كان يُحتضّر:

’’ليس عليّ في المثلة بك حرجٌ, لأنك زنديق قَدْ أفسدت النّاس‘‘.

قتل ابن المقفّع سنة ’142 هـ _ 759 م‘ وهو في مقتبل العمر، ولم يتجاوز السادسة والثلاثين عند موته. إلا انه خلّف لنا من الآثار الكثيرة ما يشهد على سعة عقله وعبقريته، وانه صاحب المدرسة الرائدة في النثر.

مؤلفاته:

 

بعض مؤلفات ابن المقفّع نقل من الفارسية واليونانية والهندية. ومن مؤلفاته:

 

    - الدرة الثمينة والجوهرة المكنونة.

    - مزدك.

    - باري ترمينياس.

    - أيين نامة ـ في عادات الفرس.

    - التاج ـ في سيرة أنو شروان.

    - أيساغوجي ـ المدخل.

    -ميلية سامي ووشتاتي حسام وعمراني نوفل

    - الأدب الصغير. نشره ’’طاهر الجزائري‘‘، ثم نُشر بتحقيق ’’أحمد زكي باشا‘‘ سنة 1911 م، وصدر حديثًا بتحقيق ’’وائل حافظ خلف‘‘ سنة 2011 م.

    - رسالة الصحابة.

    - كليلة ودمنة ـ نقله عن الهندية. ’ترجمة‘

    - الأدب الكبير

    الأدب الصغير.