لا تترك سُبحة الراحلين التي كرّت في السنوات الأخيرة الماضية مجالاً للشك بأن عالم الكبار بدأ ينطوي، ففيما لاتزال حسرتنا طرية على رحيل صباح، وملحم بركات، ومحمود عبد العزيز، وغيرهم من عمالقة الفن الذين عبروا ضفة الغياب الأخير، اكتمل المشهد بالأمس برحيل الفنانة المصرية ’شادية‘.

يكفي أن تشاهد فيلماً واحداً لها، كي تأسرك بغنجها ودلالها، وإذا غنت، يلعب صوتُها على أوتار قلبك، معيداً إلى الأذهان ما قاله الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب حين شبه صوتها بـ "صوت البنت اللعوب اللي بتضحك على الشاب وتقوله أنا بحبك، ومانمتش طول الليل، وتكون هي نايمة 24 ساعة، ويصدقها".

شادية.. الغائبة عن الفن منذ عام 1984 فارقت الحياة يوم أمس الثلاثاء عن عمر يناهز 86 عاماً، وذلك بعد أيام قليلة من إدخالها مستشفى الجلاء العسكري في القاهرة إثر تعرضها لجلطة دماغية.

اسمها الحقيقي فاطمة أحمد شاكر، ولدت في الثامن من شباط عام 1934 بمنطقة الحلمية الجديدة بالقاهرة، وكان والدها مهندسا مصرياً أما أمها فكانت من أصول تركية، ولها شقيقة تدعى عفاف عملت أيضاً كممثلة لكن لوقت قصير.

قيل إن الفنان عبد الوارث عسر الذي كان يعطيها دروساً في الإلقاء هو من أطلق عليها اسم ’شادية‘، وهنالك من يقول إن الممثل يوسف وهبي منحها هذا الاسم عندما رآها وهو يصور فيلم شادية الوادي، كما يذكر البعض أن المنتج والمخرج حلمي رفلة كان من اختار لها هذا الاسم الفني.

رحلة الفن الجميل التي استمرت لأربعة عقود بدأت عام 1947 على يد المخرج أحمد بدرخان الذي كان يبحث عن وجوه جديدة، ورغم أن المشروع لم يكتمل آنذاك، فقد لعبت شادية بذلك العام أول أدوارها الصغيرة في فيلم ’أزهار وأشواك‘ للمخرج محمد عبد الجواد.

دور البطولة الأول لها كان مع الفنان محمد فوزي في فيلم ’العقل في إجازة‘ للمخرج حلمي رفله، ونظراً للنجاح الكبير الذي حققه الفيلم فقد استعان بها فوزي في عدد من أفلامه الأخرى مثل ’الروح والجسد، الزوجة السابعة، صاحبة الملاليم، بنات حواء‘، كما مثلت إلى جوار فاتن حمامة في أكثر من عمل خلال الخمسينيات.

شكلت مرحلة الستينات ذروة نجاح ونجومية شادية، لا سيما مع أدوار تمحورت حول المرأة ونظرة المجتمع إليها، فتألقت في فيلم ’المرأة المجهولة ‘لمحمود ذو الفقار بعام 1959، واستمر ذلك الصعود مع أفلام ’مراتي مدير‘ عام 1966 و’كرامة زوجتي‘ عام 1967 و’عفريت مراتي‘ عام 1968 و’أغلى من حياتي‘ عام 1965، وكان فيلم ’معبودة الجماهير‘ عام 1967 من أبرز أعمالها الرومانسية مع الفنان عبد الحليم حافظ.

تزوجت شادية ثلاث مرات لكنها لم ترزق بأبناء، زواجها الأول كان من المهندس ’عزيز فتحي‘ والثاني من الفنان عماد حمدي لمدة ثلاث سنوات، أما آخرهم فكان الفنان صلاح ذو الفقار الذي انفصلت عنه عام 1969.

تملك شادية في رصيدها الفني 112 فيلماً و10 مسلسلات إذاعية ومسرحية واحدة هي مسرحية ’ريا وسكينة‘ التي تألقت فيها إلى جانب عمالقة المسرح سهير البابلي وعبد المنعم مدبولي، كما غنت شادية للحب والوطن، ومن أجمل أغنياتها ’يا حبيبتي يا مصر‘ و’مصر اليوم في عيد‘ و’دبلة الخطوبة‘ و’خلاص مسافر‘ و’القلب معاك‘ و’قولوا لعين الشمس‘.

لعبت شادية دور البطولة أيضاً في اعمال للكاتب الكبير وصاحب جائزة نوبل، نجيب محفوظ، مثل أفلام  ’ميرامار‘ و ’اللص والكلاب‘ و ’زقاق المدق‘ و ’الطريق‘، كما حصلت على جائزة الدولة التقديرية عن دورها في فيلم ’شيء من الخوف‘ المأخوذ من رواية ثروت أباظة، حيث تقاسمت فيه البطولة مع الفنان محمود مرسي.

آخر أعمالها كان فيلم ’لا تسألني من أنا‘ عام 1984 مع يسرا ومديحة يسري، لتعلن بعدها اعتزال الفن، وترتدي الحجاب وهي في الخمسين من العمر.

وحول اعتزالها قالت:

"لأنني في عز مجدي أفكر في الاعتزال. لا أريد أن أنتظر حتى تهجرني الأضواء بعد أن تنحسر عني رويداً رويداً...لا أحب أن أقوم بدور الأمهات العجائز في الأفلام في المستقبل بعد أن تعود الناس أن يروني في دور البطلة الشابة، لا أحب أن يرى الناس التجاعيد في وجهي، ويقارنون بين صورة الشابة التي عرفوها والعجوز التي سوف يشاهدونها، أريد أن يظل الناس محتفظين بأجمل صورة لي عندهم. ولهذا، فلن أنتظر حتى تعتزلني الأضواء وإنما سوف أهجرها في الوقت المناسب قبل أن تهتز صورتي في خيال الناس".

بعد هذا التصريح لم تظهر شادية في أي وسيلة إعلامية، بل كرست حياتها لرعاية الأطفال الأيتام، ولعلها عوضت في ذلك شعور الأمومة الذي لم تحظ به.